سميح دغيم
397
موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي
الإنسان عمّا فعله إلّا بالندم عليه والعزم على ترك معاودته ، وما يتوب الإنسان منه إمّا أن يكون فعلا قبيحا وإمّا أن يكون إخلالا بواجب ، فالتوبة من الفعل القبيح هي أن يندم عليه ويعزم أن لا يعود إلى مثله ، وعزمه على ذلك هو كراهيته لفعله ، والتوبة من الإخلال بالواجب هي أن يندم على إخلاله بالواجب ويعزم على أداء الواجب فيما بعد . فأمّا القول في أنّ التوبة تسقط العذاب ، فعندنا أنّ العقل يقتضي قبح العقاب بعد التوبة ، وخالف أكثر المرجئة في ذلك من الإماميّة وغيرهم ، واحتجّ أصحابنا بقبح عقوبة المسئ إلينا بعد ندمه واعتذاره وتنصّله والعلم بصدقه والعلم بأنّه عازم على أن لا يعود ( أ ، ش 4 ، 468 ، 18 ) - أمّا القول في صفات التوبة وشروطها فإنّها على ضربين : أحدهما يعمّ كل توبة ، والآخر يختلف بحسب اختلاف ما يتاب منه . فالأوّل هو الندم والعزم على ترك المعاودة ، وأمّا الضرب الثاني فهو أنّ ما يتوب منه المكلّف إمّا أن يكون فعلا أو إخلالا بواجب ، فإن كان فعلا قبيحا وجب عند الشيخ أبي هاشم رحمه اللّه أن يندم عليه لأنّه قبيح ، وأن يكره معاودة مثله لأنّه قبيح ، وإن كان إخلالا بواجب وجب عليه عنده أن يندم عليه لأنّه إخلال بواجب ، وأن يعزم على فعل مثل ما أخلّ به لأنّه واجب ، فإن ندم خوف النار فقط أو شوقا إلى الجنّة فقط أو لأنّ القبيح الذي فعله يضرّ ببدنه ، توبة كانت صحيحة ، وإن ندم على القبيح لقبحه ولخوف النار وكان لو انفرد قبحه ندم عليه فإنّ توبته تكون صحيحة ، وإن كان لو انفرد القبح لم يندم عليه فإنّه لا تكون توبته صحيحة عنده . والخلاف فيه مع الشيخ أبي علي وغيره من الشيوخ رحمهم اللّه وإنّما اختار أبو هاشم هذا القول لأنّ التوبة تجري مجرى الاعتذار بيننا ، ومعلوم أنّ الواحد منّا لو أساء إلى غيره ثم ندم على إساءته إليه واعتذر منها خوفا من معاقبته له عليها أو من معاقبة السلطان ، حتى لو أمّن العقوبة لما اعتذر ولا ندم بل كان يواصل الإساءة ، فإنّه لا يسقط ذمّه ، فكذلك التوبة خوف النار لا لقبح الفعل ( أ ، ش 4 ، 469 ، 3 ) - قال أصحابنا : وللتوبة شروط أخر تختلف بحسب اختلاف المعاصي ، وذلك أنّ ما يتوب منه المكلّف إمّا أن يكون فيه لآدمي حق أو لا حق فيه لآدمي ، فما ليس للآدمي فيه حق فنحو ترك الصلاة ، فإنّه لا يجب فيه إلّا الندم والعزم على ما قدّمنا ، وما لآدمي فيه حق على ضربين أحدهما أن يكون جناية عليه في نفسه أو أعضائه أو ماله أو دينه ، والآخر أن لا يكون جناية عليه في شيء من ذلك . فما كان جناية عليه في نفسه وأعضائه أو ماله فالواجب فيه الندم والعزم وأن يشرع في تسليم بدل ما أتلف ، فإن لم يتمكّن من ذلك لفقر أو غيره عزم على ذلك إذا تمكّن منه ، فإن مات قبل التمكّن لم يكن من أهل العقاب ، وإن جنى عليه في دينه بأن يكون قد أضلّه بشبهة استزلّه بها فالواجب عليه مع الندم والعزم والاجتهاد في حلّ شبهته من نفسه ، فإن لم يتمكّن من الاجتماع به عزم على ذلك إذا تمكّن ، فإن مات قبل التمكّن أو تمكّن منه واجتهد في حلّ الشبهة فلم تنحلّ من نفس ذلك الضال فلا عقاب عليه لأنّه قد استفرغ جهده ، فإن كانت المعصية غير جناية نحو أن يغتابه أو يسمع غيبته فإنّه يلزمه الندم والعزم ولا يلزمه أن يستحلّه أو يعتذر إليه لأنّه ليس يلزمه أرش لمن اغتابه ، فيستحلّه